عماد الدين خليل
163
دراسة في السيرة
جرحه بعصابة كانت قد أعدتها لمداواة الجرحى ثم قالت له انهض يا بني فضارب القوم ، والرسول صلى اللّه عليه وسلم يناديها : ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة ؟ ويلتفت إلى أصحابه قائلا : ما التفت يمينا وشمالا إلا وأنا أراها تقاتل دوني ، فسألته نسيبة : ادع اللّه أن نرافقك في الجنة قال : اللهم اجعلهم رفاقي في الجنة . فقالت : ما أبالي ما أصابني من الدنيا « 1 » . وخرجت السميراء بنت قيس ، وقد أصيب ابناها ، فلما نعيا لها قالت : ما فعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم ؟ قالوا : خيرا ، وهو بحمد اللّه على ما تحبين . قالت : أرونيه أنظر إليه ، فأشاروا لها إليه فقالت : كل مصيبة بعدك يا رسول اللّه جلل « 2 » . ولقيت أم أيمن جماعة من المنهزمين ، فجعلت تنثر التراب في وجوههم وتقول : هاك المغزل فاغزل به « 3 » . تمكن الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه من الصمود لهجمات المشركين وعرف المسلمون الذين تشتتوا في ميدان المعركة ، في أعقاب التفاف خالد ، وانتشار شائعة وفاة الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، عرفوا أن رسولهم لم يمت فتجمعوا حوله ، وطلب صلى اللّه عليه وسلم منهم أن يتراجعوا صوب جبل أحد وأن يحصبوا المشركين بالحجارة ، وأن لا يسمحوا لهم بأن يلتفوا عليهم من فوقهم . وسعت فرقة من القرشيين إلى الالتفاف حول المسلمين كرة أخرى والانقضاض عليهم من جبل أحد فتصدى لهم عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه وجماعة من المهاجرين حتى أجلوهم عن الجبل ، ونهض صلى اللّه عليه وسلم إلى صخرة أحد ليعلوها فلم يستطع لشدة إعيائه وثقل دروعه فجلس تحته طلحة بن عبيد اللّه فنهض حتى استوى عليها . وأدرك المشركون أن دون إبادة المسلمين وتفتيتهم المستحيل وكانوا قد أصابهم التعب والجراح فاثروا الانسحاب مكتفين بهذا القدر من النصر على المسلمين وهو قدر كما اعتقدوا ليس بالقليل ، وأشرف أبو سفيان على مرتفع عال ونادى بأعل صوته : إن الحرب سجال ، يوم بيوم بدر أعل هبل ! فقال الرسول صلى اللّه عليه وسلم لعمر : قم فأجبه وقل : اللّه أعلى وأجلّ ، لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار . فطلب أبو سفيان من عمر أن يقترب وقال له : أنشدك اللّه يا عمر أقتلنا محمدا ؟ قال عمر : اللهم لا ، وإنه ليسمع كلامك
--> ( 1 ) الواقدي 1 / 268 - 273 . ( 2 ) الواقدي 1 / 292 . ( 3 ) البلاذري : أنساب 1 / 326 .